محمد متولي الشعراوي
3126
تفسير الشعراوى
وكان الآخر يعطى ولده عشرة قروش فيقول الابن له : « إنها لا تكفى شيئا » . وشاء الحق أن يجمعنا نحن الثلاثة في مكتب يتبع وزارة الري بالزقازيق ، فلما جئنا لنخرج إذا برئيس كتاب تلك المصلحة يأتي بظرف أصفر كبير به أشياء كثيرة ويناوله لواحد منهما ، فسألته : ما هذا ؟ فقال : بعض من الورق الأبيض وبعض من ورق النشاف وعدد من الأقلام حتى يكتب الأولاد واجبهم المدرسي . فقلت له : هذا سر خيبة أولادك الدراسية وإسرافهم والدروس الخصوصية التي تدفع فيها فوق ما تطيق وسر قول ابنك لك : إن القروش العشرة لا تكفى شيئا . أما الشخص الآخر فابنه يقول له : لا أريد مصروف يد اليوم لأن معي خمسة قروش هي مصروف أمس ولا أريد أن آخذ دروسا خصوصية لأنى أحب الاعتماد على نفسي . وسبحانه الحق القيوم لا تأخذة سنة ولا نوم . ويقول لنا بلاغا : قال أبو الجلد : « أوحى اللّه تعالى إلى نبي من الأنبياء : قل لقومك : ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي ؟ إن كنتم ترون أنى لا أراكم فأنتم مشركون بي ، وإن كنتم ترون أنى أراكم فلم تجعلوننى أهون الناظرين إليكم » « 1 » . إذن قوله الحق : « جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ » واضح تماما ، ويردف الحق قوله هذا : « وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » . وسبحانه عزيز لا يغلبه أحد ، حتى الذي يسرق ، إنما يسرق الرزق المكتوب له ؛ لأن العلماء اتفقوا على أن الشئ المسروق رزق أيضا لأنه ينتفع به . وو اللّه لو صبر لجاءه وطرق عليه بابه . فإياكم أن تحتالوا على قدر اللّه ؛ لأنه حكيم في تقديره . وكلمة « حَكِيمٌ » لها في حياتنا قصة ، كنا ونحن في مقتبل حياتنا التعليمية نحب الأدب والشعر والشعراء ، وبعد أن قرأنا للمعرى وجدنا عنده بعضا من الشعر يؤول إلى الإلحاد ، فزهدنا فيه وخصوصا عندما قرأنا قوله في قصيدته : تحطمنا الأيام حتى كأننا * زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
--> ( 1 ) أورده ابن رجب في شرحه في كتاب ( جامع العلوم والحكم ) .